محمود بن حمزة الكرماني

51

البرهان في متشابه القرآن

في تعيين التأويل بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال . وعن الإمام محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء كلهم على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه . وقال ابن الصلاح : على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها ، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها ، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامهم . وذهبت طائفة من أهل السنة إلى تأويل الآيات المتشابهات الواردة في الصفات بما يليق بجلال الله عز وجل مع تفويض العلم بحقيقتها ، والمراد منها إلى الله تعالى . آية سورة آل عمران لا يحتج بها في حظر تأويل المتشابه : بينت آية سورة آل عمران موقف أهل الزيغ من كتاب الله تعالى ويدخل تحت هذا المسمى : أهل الشرك والكفار والمنافقون والملاحدة ومن على شاكلتهم ، فهؤلاء يقصدون من تأويل المتشابه ، تسخير التنزيل لخدمة مذاهبهم أو أغراضهم الدنيوية كائنة ما كانت . ومن المحال أن يتساوى الراسخون في العلم مع أهل الزيغ في الحكم . والآية تعطى أن الراسخين لهم نصيب في العلم بمحكمه ومتشابهه للأمور الآتية : * أن تفويض العلم بمحكم التنزيل ومتشابهه إلى اللّه تعالى مطلوب من كل مؤمن ولا فضل في ذلك للراسخين على غيرهم . وهذا خلاف ما دلت عليه الآية من مدح للراسخين وهو أنهم قد وهبهم الحق تبارك وتعالى الفقه في كتابه الكريم فكان علمهم بمحكمه ومتشابهه موافقا للكتاب والسنة ، وهم مع رسوخهم في العلم يفوضون إلى الله تعالى العلم بكلامه عز وجل . * أن عدم تعيين الآيات المتشابهات فيه إباحة للتأويل الموافق للكتاب والسنة إذ لا تكليف إلا بأمر معين . * لو كان الراسخون لا يعلمون شيئا من متشابهه ، فكيف يستطيعون رده إلى محكم . * ليس في الآية حظر على من أوتى نصيبا في فهم ما تشابه منه أن يبينه ، وأن يعلن على العالمين ما فيه من أسرار ودلائل إعجاز . * لو اتجه الأمر إلى حظر النظر في تأويل ما تشابه منه مطلقا لما كانت هناك حاجة إلى تخصيص أهل الزيغ بالذكر ، ولوصف كل ناظر في متشابهه بالزيغ وهذا ما لا تعطيه الآية مطلقا ، بل هو مخالف لنصبها . ولم تلتفت الفاصلة إليه . * لو كان تفويض العلم بتأويله إلى الله تعالى معناه النهى عن تأويله لكان تأويل المحكم داخل في ذلك النهى أيضا ، وهذا يتعارض مع النصّ .